في منتصف أيار من عام 2005، بعد ساعات من عملية تفجير سيارة مفخخة في منطقة بغداد الجديدة، اقتحمت قوات أمنية عراقية كبيرة مجمّع البلديات واعتقلت أربعة فلسطينيين اتهمتهم بتنفيذ هذه العملية. وكانت هذه أسرع عملية إلقاء قبض على متهمين في حينه، حيث كانت الانفجارات بالعشرات، وتصل إلى مئات في اليوم الواحد، ولا يُعلن إلقاء القبض على أحد من المنفذين أو المخططين أو حتى إعلان المصابين.
صاحبَ هذه القوات ميليشيا بدر المعروفة، التي شكرها وزير الداخلية بيان جبر صولاغ في حينه على مساعدتها في إلقاء القبض على "الإرهابيين" في مؤتمر صحافي خُصص لهذه العملية. وظهر المتهمون على شاشات الفضائيات العراقية بوجوه مليئة بالكدمات وهم يعترفون بما لم يفعلوه تحت ضغط التعذيب والتهديد. مسرحية ذات إخراج سيئ مليء بالمتناقضات، يقول فيها المحقق للمتهمين: " لماذا فعلتم هذا يا ناكري الجميل؟ كنا نقاتل في حرب إيران وأنتم نائمون في بيوتكم". والغريب أن إحدى التهم الموجهة إلى الفلسطينيين، والتي قتل بسببها عدد غير قليل منهم، هي القتال ضد الإيرانيين. في اليوم التالي، كانت اللافتات في شوارع بغداد تقول: "اطردوا العرب من العراق، اطردوا ناكري الجميل".
الأغرب أن هذه المسرحية مُثِّلت قبل أن يُعرَض المتهمون على القضاء العراقي، أي أن الأمر كان يُخَطَّط له في أروقة وزارة الداخلية، من تلفيق التهم وإصدار مذكرات قبض واعتقال، ومن ثم تصوير وإخراج على الفضائيات وتحريض الرأي العام العراقي. نهاية الأمر كانت الإفراج عن المتهمين، وكان القاضي يتساءل: "أين القضية؟"، دلالة على أنها ملفقة. والنتيجة الثانية خروج أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى المنافي خوفاً، بعدما كان رد الفعل على التحريض الإعلامي قد قتل عدداً من اللاجئين الفلسطينيين.
واليوم تؤدى المسرحية نفسها، بالطريقة نفسها، وبالعقلية نفسها، مع فارق الزمان والأشخاص: تلفيق تهم لمجموعة من الفلسطينيين، إصدار أمر بإلقاء القبض عليهم، تنفيذ اعتقالهم بطريقة "الأكشن" الأمريكي زيادة في إرهاب الناس، إرغامهم على الاعتراف بقضايا لم يرتكبوها بعد تعذيبهم بأبشع الطرق، ومن ثم عرضهم على شاشات الفضائيات العراقية ذات اللون الطائفي المعروف، وممارسة التحريض على الوجود الفلسطيني، تليها اعتقالات وقتل ومن ثم هجرة جماعية.
ملابسات التهم الموجهة
القضية التي أُلصقت بالفلسطينيين الآن تعود لعام 2007، بحق شخص مقتول اسمه عباس إسماعيل، وصاحب الدعوى هو حقي إسماعيل، أخو المقتول، ودعواه بالحق الشخصي موجهة إلى كل فلسطيني موجود في العراق. ففي آب من العام الماضي، اعتُقل ثلاثة فلسطينيين بالتهمة نفسها، وفي آب من هذا العام اعتُقل ستة فلسطينيين بالتهمة نفسها أيضاً.
من هو حقي إسماعيل؟
حقي إسماعيل هو أحد أفراد ميليشيا تابعة للتيار الصدري، وحقي هذا مجرم يشهد عليه كثير من الفلسطينيين بأنه هو من قتل مصطفى كايد، رحمه الله، شقيق المتهم ثائر كايد، أحد المعتقلين الفلسطينيين المتهمين بقتل عباس إسماعيل. واليوم يكمل حقي هذا جريمته، بإلقائه ثائر كايد بين يدي سجانين نسوا آدميتهم. كذلك، شارك حقي في قتل وخطف عدد من الفلسطينيين، أبرزهم الحاج ذيب رحمه الله، حياً كان أو ميتاً، الذي كان يسكن أمام بيت المجرم حقي إسماعيل، وموقع سكنه أمام المجمّع السكني الفلسطيني في البلديات، تفصله عنهم عشرة أمتار.
مضحكٌ مبكٍ
في قضية مقتل عباس إسماعيل، وهو أحد أفراد ميليشيا تابعة للتيار الصدري، أبرز تيار في حكومة المالكي، واتهام أحد الفلسطينيين بقتله، حضر أحد الشهود ليشهد ضد الفلسطيني المتهم، فسأله القاضي: كيف عرفت أن هذا الشخص قتل عباس؟ فأجاب الشاهد: لقد رأيته يدخل إلى المجمع الفلسطيني في البلديات. فقال القاضي: كلامك هذا إذا أردنا أن نأخذ به، فعلينا أن نعتقل كل فلسطيني موجود في المجمّع.
وهكذا تحاك التهم للفلسطينيين، لا لشيء إلا لأنهم فلسطينيون، وهذا هو الجو الاجتماعي الذي يعيش فيه الفلسطينيون في العراق. فهذا الشاهد جاء ليشهد ضد الفلسطيني بأنه قتل، وهو يعلم أن هذه التهمة إن ثبتت عليه – وهذا رجاؤه – فإن الفلسطيني سيعدم. ورغم هذا، إن شعوره بالحقد دفعه إلى هذه الشهادة الزور.
الإعلام العراقي الرسمي غير نزيه
في حادثة عام 2005 وما حصل فيها من دور مشبوه للإعلام العراقي في التحريض على الوجود الفلسطيني وما جرى من إظهار للمتهمين بهذه الصورة وهم يعترفون بما لم يفعلوه، لم يكن لهم الدور نفسه عندما بُرئ المتهمون وخرجوا من المعتقل. ليس في هذه الحادثة فقط، بل هناك حوادث كثيرة أُظهر فيها الفلسطينيون وهم يعترفون بما لم يفعلوه، ومن ثم يُبرأون، لا بل إن الإعلام العراقي يتسابق لإظهار خبر اعتقال فلسطيني من دون التأكد أو التثبت من صحة الخبر. واليوم يجري الشيء نفسه في الحملة الأخيرة على أبناء الشعب الفلسطيني في العراق، وسيعرضون المتهمين في قضية عباس إسماعيل، وسيظهر المتهمون الفلسطينيون ليعترفوا بما لم يفعلوه نتيجة التعذيب الشديد والتهديد والوعيد، وسيتبنى الإعلام دور المحرض على الوجود الفلسطيني في العراق، لا بل الوجود العربي ككل.
لو كانت عندنا مرجعية في العراق
لو كانت عندنا مرجعية في العراق لتبنت هذه القضية ولأظهرت الكثير من الحقائق عن مقتل مئات الفلسطينيين.
لو كانت عندنا مرجعية، لأُقيمت دعوى قضائية على المجرم حقي هذا ومن يقف وراءه.
لو كانت عندنا مرجعية، لما انتُهكت حقوقنا بهذه الطريقة.
لو كانت عندنا مرجعية، لما تجرأ علينا شذاذ الآفاق بهذه الطريقة.
لو كانت عندنا مرجعية، لما احتُفل بيوم القدس في العراق، في اليوم الذي قصف فيه مجمع البلديات واستشهد العشرات، وما زالوا يحتفلون به وهم يهجّرون الفلسطينيين من العراق. ♦ تجمع(واجب)يبرق رسالة للسفير الإيطالي في دمشق أبرق تجمع العودة الفلسطيني واجب برسالة إلى السفير الإيطالي بدمشق "أكيليه أميريو"، أعرب فيها عن إدانته وقلقه الشديد على مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في إيطاليا جراء ما يتعرض له من انتهاكات وتصرفات واعتداءات وحشية لا إنسانية من قبل رجال المافيا وأمام أعين رجال الشرطة.
وجاء في الرسالة أن تجمع واجب يتابع بقلق بالغ التقارير والأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام من قبل الشبكة الدولية للحقوق والتنمية "وهي منظمة دولية مسجلة بسويسرا والنرويج" حول ما يتعرض له اللاجئون الفلسطينيون في إيطاليا. تفيد بحدوث انتهاكات جسيمة بينها حالات قتل بحق اللاجئين الفلسطينــييــــن الفـاريــن مـــن العراق والمقيمين في بلدية كاليبرا، وبعد الاتصال ببعض العائلات هناك والتأكد منهم بحدوث هذه الانتهاكات، وحالة الخوف التي عاشتها العائلات ما اضطر كثير منها إلى الهجرة ثانيةً إلى السويد، فإننا نعبر عن قلقنا الشديد على مستقبل اللاجئين الفلسطينيين هناك، كما نرغب بإيصال تخوفنا إلى حكومة بلدكم والحصول على إيضاحات حول ما جرى.
تجمع (واجب) 11/10/2011

