PRC

Monday
May 21st

نتذكر.. لنعود: من قرية غوير أبو شوشة .. الحاج حسن الشاويش

oldman

بيتنا! إني أتذكره حجراً حجراً، أتذكر ملاعب الطفولة، أتذكر أين كنت أجلس وأين كان يجلس أبي وكل أفراد العائلة. صحيح أن الزمن لم يتوقف ولم ينتظر أحداً، لكن الاثنتي عشرة سنة التي عشتها في القرية لها في الوجدان ما لها. فكم أحنّ اليوم لقريتي ولتلك الذكريات! كم أشتاق لها ولكل شيء فيها! إن كل يوم يمر بعيداً عنها يزيدني شوقاً وحرقة، ويزداد معه الإصرار والأمل بالعودة إليها، وقد أودعت كواشين البيت والحاكورة أمانة لدى أحد أبنائي.

بهذه الكلمات بدأ الأستاذ حسن شاويش شهادته لنا في الحديث، وهو الذي ولد في عام ثورة 1936، وابن قرية غوير أبو شوشة – قضاء طبرية، نلتقيه اليوم ليروي شهادته على النكبة وشهادته على المأساة.

وصف القرية

قريتنا غوير أبو شوشة، من قرى قضاء طبرية، محاطة بأراضي الطابغة وياقوق والمغار والمستوطنات اليهودية المجاورة (غينوسار – المجدل).

أما حدودها فيحدها شمالاً بلدة (النويرية - عرب القديرية) وجنوباً بلدة المجدل. أما شرقاً فتحدها بحيرة طبرية، ومن الغرب الوعرة السودا باتجاه عرب المواسي.

تتميز الغوير بمناخ معتدل ودافئ في الشتاء وشديد الحرارة في الصيف، لكونها جزءاً من منطقة الأغوار ذات الحرارة المعتدلة في الشتاء والمرتفعة في الصيف، إضافة إلى توافر التربة الخصبة والمياه الوافرة، ونظراً لما تتمتع به قرية الغوير من مناخ جيد ومن تربة خصبة، فقد كان يضرب المثل في خضرتها.

كان فيها موسمان، وعندما كانت تباع الخضار في الأسواق، كانت أسعار خضروات الغوير الأغلى سعراً بين نظيراتها، وكانت مرغوبة لجودتها، وكانت تُسوَّق بسرعة لافتة مقارنة بمحاصيل القرى الأخرى.

كانت الطرق التي تصل حارات القرية بعضها ببعض غير معبدة، وكان هناك طريق رئيسي معبد يصل بين طبريا وصفد وطريق ترابية فرعية تربط غوير أبو شوشة بطريق طبرية. صفد العام، كما كانت طرق فرعية أخرى تصلها بالقرى المجاورة.

بداية الأحداث

يتابع الحاج أبو هشام قائلا: رغم أننا كنا ننظر لهذه المستعمرات (الكبانيات كما كنا نطلق عليها)، بريبة وحذر بسبب قيامها على أراضينا الفلسطينية، وقع ما كنا ما كنا نخشاه من هذه المستعمرات، حيث تفجرت الأحداث مسرعة. وشاءت الأقدار أن تكون طبرية كبش الفداء بين المدن الفلسطينية، فاندلعت الأحداث فيها مبكراً ولم تصمد كثيراً، حيث كان الإعداد لاحتلالها كبيراً، ما جعلها تسقط في 19 نيسان عام 1948.

ولعل نتائج ذلك لم تقتصر على هذه المدينة فحسب، بل طال مجمل القرى والمدن الفلسطينية، وخاصة ما يتعلق بمعنويات المدافعين عن تلك المدن والقرى.

قبل سقوط قريتنا غوير أبو شوشة بعشرة أيام، وقبل سقوط طبرية بثمانية أيام، أي في 11 نيسان، جاءت إلى القرية قوة عسكرية من جيش الإنقاذ كانت متمركزة في قرية المغار، فاستقبلهم المختار فايز الخميس ووجهاء القرية، وأخبروا المختار أنهم وحدة كلفتها القيادة حماية القرية من الهجمات اليهودية، فرحب بهم الأهالي وأحسنوا ضيافتهم.

أما الصهاينة في المستعمرات فقد كانوا يراقبون المشهد عبر عيونهم المندسة في كل مكان، فعلموا بشأن هذه الوحدة التي دخلت القرية، وعرفوا عددها وعدتها.

عند المساء أخبر قائد الوحدة العسكرية المختار فايز الخميس، أنّ الأوامر صدرت إليه بأن يغادر مع وحدته القرية ويعود بها إلى مركز القيادة في قرية المغار. فوجئ الجميع بهذا القرار، وطلب وجهاء القرية من آمر الوحدة، أن يعطوا المدافعين عن القرية بعض الأسلحة الخفيفة؛ لأن أبناءها لا يملكون سوى بارودتين فقط!

رُفض طلبهم وانسحبت الوحدة من دون تقديم المبرر الكافي للأهالي، سوى أن أمراً من القيادة طلب منهم ذلك.

الهجوم على القرية

في تلك الليلة، وعند الساعة الثانية عشرة، أحاط المستوطنون من العصابات الصهيونية المقيمون في المستعمرات القريبة بالقرية وهاجموها، بينما كانت العتمة تزيد المكان رعباً ووحشة في تلك الليلة. وبسرعة تموضع حسن الغوطاني الذي كان يملك بارودة في الجنوب، ومثقال المرعي الذي كان أيضاً يمتلك بارودة في الشمال وبدآ يطلقان النار بالتبادل طلقة من الشمال وأخرى من الجنوب واليهود يردون على تلك الرصاصات. لكن من خلال هذا التكتيك اختلط الأمر على المهاجمين الصهاينة فأصبحوا يطلقون النار بالخطأ على أفرادهم دون أن يعرفوا ماذا يحدث. وظل هذا الوضع حتى الفجر حيث انسحب المهاجمون تاركين وراءهم خمسة أو ستة قتلى، قتلوا بنيران المستوطنين. وجدنا جثثهم في وسط ساحة القرية. وكان من بين القتلى ابن مختار مستوطنة كنسار.

بعد هذا الهجوم بأيام سقطت مدينة طبرية. وارتكبت مجزرة في قرية ناصر الدين المجاورة، ذهب ضحيتها أكثر من نصف سكان القرية التي كان عددها وقت ذاك نحو90 شخصاً، قتل منهم أكثر من خمسين فرداً، حيث لم تفرق فيها العصابات الصهيونية بين طفل وامرأة وشيخ وعاجز، فدب الذعر والخوف بأبناء قريتنا، فأجمع أهالي القرية على الرحيل بعد أن أيقنوا عدم قدرتهم على الصمود، فلا سلاح معهم ولا مساندة من أحد. يضاف إلى ذلك كله خوفهم من الانتقام لما جرى معهم في المحاولة الأولى لاحتلال القرية ومقتل عدد من جنود الصهاينة في القرية.

التغريبة

كانت هجرة أهالي القرية على دفعتين: الأولى في 21 نيسان، والثانية في 28 من الشهر ذاته من عام 1948. العائلات بدأت تنتقل إلى القرى المجاورة، كل عائلتين أو ثلاث عائلات تخرج معاً. توجه قسم من العائلات إلى قرية المغار وقسم آخر إلى قرية البطيحة السورية الحدودية التي كانت نقطة تجمع للعديد من اللاجئين الفلسطينيين. عائلتي توجهت الى هذه القرية السورية بعد مرورها بقرى الطابغة وتلحوم (السمكية) وعشيرة الشمالنة.

بقينا في البطيحة مدة ثلاثة أشهر، ثم انتقلنا بعدها إلى وادي الرقاد (جزء من وادي اليرموك)، حيث أنشئ مخيم لنا ووزعت علينا الخيام والبطانيات. وبقينا في هذا الوادي فترة من الزمن، ثم نُقلنا الى منطقة وادي السمك، ثم إلى وادي الرزانية حيث بقينا فيها أيضا لمدة وجيزة، نقلنا بعدها إلى مخيم خان الشيح الذي كان قد أقيم أخيراً، وهو من المخيمات القريبة لفلسطين. بقينا في هذا المخيم حتى عام 1970، حيث استقر بنا المطاف في مخيم السبينة الذي نعيش فيه حتى الآن، والذي كان قد أنشئ في عام 1968 بعد حرب الـ1967، ضمن ما سمي وقتها مخيمات الطوارئ للاجئين والنازحين.

ألم وأمل

عبر السنوات الستين الماضية، عانينا الكثير، وكافحنا وتألمنا كثيراً، لفراق قريتنا غوير أبو شوشة، لكننا علمنا أولادنا في الوقت نفسه كيف يكون حب الوطن وحب التضحية والتمسك بحقهم بالعودة إلى تلك الديار التي لا تعادلها أي ديار.

ولا يزال الأمل بعد ثلاث وستين سنة، قضيتها بعيداً عن الغوير في أن أراها عما قريب. ولعل هذا الشوق الكبير مرتبط بأمل كبير بأن العودة آتية، آتية لا محالة، وإني أكاد أجزم بأني سأراها عما قريب، مؤمناً بقول الله تعالى:  {إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً بإذن الله}.
أخيراً أود أن أقول إنَّ جيل العودة اليوم أكثر إصراراً من جيلنا، بل أكثر تحدياً. إنه اليوم يعد العدة ليزيل الخيام والأسوار والأسلاك والمنافي إلى مصيرها المحتوم، لتنبت بعدها في كل القرى أزهار وورود يزرعها أبناؤنا بأيديهم ويغمرونها بآمالهم.

 

جديد العودة

فيديو العودة


SimplePayPal

Donate to Keep Refugee Issue alive

Amount: