PRC

Thursday
Feb 09th

فلسطينيو العراق بين فكّي كماشة: ماذا يستهدف قانون اللجوء السياسي في العراق؟

fikrasileكان الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في العراق، وما زال، مثار جدل في الأوساط الفلسطينية داخل العراق وخارجه، فمنذ الوجود الفلسطيني هناك عام 1948 لم يكن ينظّم قانونٌ واضح المعالم القانونية لتعامل الحكومات العراقية المتعاقبة مع اللاجئين الفلسطينيين. ولعل طول فترة الإقامة في الدول المضيفة للاجئين لم يكن في حسبان المشرعين للقوانين في الدول المضيفة.

استثناءات

فبالرغم من إعلان الحكومة العراقية أنها تُعامل الفلسطيني معاملتها العراقي، إلا أنها كانت تصدر الاستثناءات والتعديلات والتوضيحات التي كانت تكبل الفلسطيني وتمنعه من القدرة على العيش المستقر والتفكير المستقبلي. الأصعب من ذلك أن الأمر وصل إلى إصدار قانون يمنع الفلسطيني من شراء سيارة خاصة أو خط هاتف منزلي أو حتى تجديد إجازة ممارسة حرفة في عام 1993، وبقي الأمر الضبابي هكذا بين أخذ وردّ، تارة تصدر قوانين تعطي الحقوق وتسمح بالتملك (منزل واحد للسكن)، وتصدر أخرى تقيدها وتكبلها.. وهكذا لغاية عام 2001 عندما أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً واضحاً يعامل فيه الفلسطيني معاملة العراقي في الحقوق والواجبات ما عدا الجنسية وخدمة العلم والحقوق السياسية من انتخاب وترشيح.

ولأن القوانين العراقية كانت تخضع لأمزجة الموظفين في تطبيقها بين محبٍّ وكارهٍ للوجود الفلسطيني في العراق، فقد صدر قرار تضمن عقوبة لكل موظف لا يطبق هذا القرار الذي يحمل الرقم 202 لعام 2001.

إن الضبابية في القوانين العراقية تجاه الفلسطينيين هي أحد الأمور التي تفسر عدم كثافة الوجود الفلسطيني في العراق، رغم كل ما يشيعه المحرّضون على الوجود الفلسطيني في العراق بأنهم كانوا منعّمين وأصحاب امتيازات في فترات الحكومات العراقية السابقة.

أما حقبة ما بعد الاحتلال، فقد شهدت تأكيدات أن الفلسطينيين يعاملون كالعراقيين، وأن القرار 202 ساري المفعول، كما أنه لم يصدر أي قانون يلغي القرار 202 من الحكومات العراقية لغاية عام 2008، إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه القوانين مرهونة بتطبيقها لا في صدورها، لذلك فالأمر فيها يعود إلى الأداة التنفيذية من الموظفين الحكوميين، والحال في العراق معروف تجاه الفلسطينيين، وهو لا يختلف عن الدول العربية الأخرى.

ليس لاجئاً سياسياً

إن للاجئ الفلسطيني تعريفاً خاصاً، يختلف عن أي لاجئ آخر في العالم، وملخص الفكرة أن اللاجئ من غير الفلسطينيين لا يريد أن يعود إلى وطنه، ويبحث عن مكان يعيش فيه، بينما اللاجئ الفلسطيني عنده مكان يعيش فيه، ولكنه يريد أن يعود إلى وطنه ولكن حكومة الاحتلال تمنعه، لذلك فإن وضعه خاص. ويبدو أن هذا المفهوم غاب عن الحكومة العراقية أو أنه غُيِّب عنها بقصد، فقد شكلت الحكومة العراقية في مطلع عام 2008 «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين»، وهي الجهة المسؤولة عن جميع اللاجئين في العراق من أكراد وإيرانيين وسوريين وفلسطينيين، وهذه اللجنة شُكّلت وفق قانون 51 الذي صدر عام 1971 باسم «قانون اللاجئين السياسيين»، وقد قامت هذه اللجنة بإجراء جرد عام للفلسطينيين بالتعاون مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وبإشراف «دائرة اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية في بغداد»، وأصدرت بطاقات تعريف للفلسطينيين باسم هذه اللجنة التابعة لوزارة الداخلية، وهنا الغرابة، إذ كيف تسمح منظمة التحرير بتطبيق مثل هذا القانون الذي يستهدف فئة أخرى من اللاجئين الذي لا علاقة للفلسطينيين به.

لقد رفضت الدول العربية التوقيع على اتفاقية جنيف لعام 1951 رغم أنها توفر الحماية والعيش للاجئين في أماكن لجوئهم، وذلك لأن القرار بما يتضمّن فقرة خاصة تراعي الوضع الفلسطيني الخاص، وقد تمت مناقشة ذلك في إطار الأمم المتحدة كونها إحدى الجهات المسؤولة عن مأساة الفلسطينيين بطرحها لقرار التقسيم رقم 181، ما أدى إلى قبول تطبيق الاتفاقية على الفلسطينيين في المناطق غير المشمولة بأنشطة الأونروا شرط إعطاء وضع خاص للاجئين الفلسطينيين، أما المناطق الداخلة في مناطق عمليات الأونروا فتكون هي المسؤولة عن الفلسطينيين لكونها جهة متخصصة باللاجئين الفلسطينيين ويكون لهم فيها الوضع الخاص، ولا يوجد للاجئين الآخرين في العالم جهة خاصة بهم كما هو الحال بالنسبة إلى الفلسطينيين، لأن الأمر متعلق بموضوع عودة اللاجئين إلى ديارهم لا توطينهم في الدول المضيفة لهم، كما هو حاصل بالنسبة إلى اللاجئين من غير الفلسطينيين.

أين تكمن خطورة تصنيف اللاجئين الفلسطينيين كلاجئين سياسيين؟

إن تطبيق قانون اللاجئين السياسيين على الفلسطينيين في العراق يحمل المشكلة التي أدت إلى رفض الدول العربية التوقيع على اتفاقية جنيف، إذ إنه لا يعطي اللاجئ الفلسطيني وضعه الخاص، ولا يتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين كمشكلة شعب كامل بل يتعامل معهم كأفراد. إن في القانون أموراً كثيرة تتناقض مع الوضع الفلسطيني كقضية، إذ إنه يتعامل مع اللاجئ على أنه جاء إلى العراق بناءً على رغبته الشخصية، في حين أن الفلسطيني جاء إلى العراق بناء على رغبة الحكومة العراقية كضيوف لحين تحرير الارض.

من جهة أخرى ينصّ القانون في المادة (4) الفقرة (1) «يحظر تسليم اللاجئ إلى دولته بأي حال من الأحوال» فهل من الممكن أن تطبق هذه الفقرة في حال تحرير فلسطين أو على الأقل تحقيق العودة؟ وهل تمنع الحكومة العراقية الفلسطينيين من العودة إلى وطنهم؟

أما المادة (14) فإنها تنصّ على إناطة «مراقبة اللاجئين وإدارتهم وتكاليفهم وتوجيههم الاجتماعي بوزارة الداخلية»، أي إن اللاجئين سيخضعون للمراقبة من قبل أجهزة وزارة الداخلية، وكأنهم جاؤوا إلى العراق في عام 2008 ولم يمضِ على وجودهم في العراق ستون عاماً، أي من قبل أن يُسنّ هذا القانون، والأغرب أن يطبق عليهم بعد 38 عاماً على إقراره من الحكومة العراقية.

أما المادة (16) فتنصّ على الآتي: «إذا أخلّ لاجئ بأمن الدولة أو مصالحها السياسية فيحقّ للوزير إلغاء قرار لجوئه والأمر بإبعاده علاوة على تقديمه إلى المحاكم إذا كان عمله يعاقب عليه قانونا». إن باب الإخلال بالأمن أو بالمصالح السياسية باب عريض ويستوعب الكثير من التفسيرات والتأويلات فقد يعتبر في مرحلة ما أن مطالبة الفلسطينيين بحقهم في وطنهم إخلال بالمصالح السياسية أو تهديد لأمن العراق فإلى أين سيبعدهم وزير الداخلية؟

إن المحصلة التي سيؤول إليها هذا القانون، هو التعديل مرة ومرتين وثلاثاً لجعله يناسب ما تريده وما تحمله أطراف لها أهداف وتوجهات تناهض الفلسطينيين وستزيد الطين بلة بتعقيد الوضع القانوني للفلسطينيين في العراق في حين أن القرار 202 لعام 2001 ساري المفعول ولا يحتاج إلا إلى تفعيله والتأكيد عليه. لا نقول هذا مساساً بالسيادة العراقية، بل من باب ما يقوله المثل الفلسطيني «حرز على صاحبك ولا تخوّنه».

أما رئيس اللجنة الدائمة، وكيل وزير الداخلية عدنان الأسدي فقد صرح لجريدة الصباح التي تعتبر الجريدة الرسمية في العراق في مقابلة له معها يوم 25/4/2009، قال إن عدد اللاجئين الموجودين الآن يقارب 55 - 60 ألف لاجئ، منهم 13467 لاجئاً فلسطينياً، و1413 لاجئاً سورياً و1655 أحوازياً و13110 أكراد إيرانيين و15064 كردياً تركياً و321 لاجئاً إيرانياً منشق عن منظمة مجاهدي خلق. وقال إن قوانين اللجوء السابقة لم تنصف اللاجئين كباقي الدول وخاصة الأوروبية منها، إذ يبقى اللاجئ في العراق ثلاثين عاماً أو أكثر من دون الحصول على الجنسية العراقية، مؤكداً أن مشروع القانون الجديد سيمنح الجنسية العراقية للاجئ الذي يمضي على إقامته في العراق عشر سنوات وسيتم توطينهم في العراق.

إن التلويح بمنح الجنسية العراقية للاجئين الفلسطينيين بعد فترة من الاضطهاد والتشريد والقتل قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن هذا القانون سيكون المخرج لمحنة فلسطينيي العراق، لكونه سيخفي فلسطينيةَ الفلسطيني، وهذا ما سينهي معاناته. ولكن هذا الأمر بالنسبة إلى الفلسطينيين سيصطدم مع قانون الجنسية العراقي لعام 2006، الذي ينص في المادة السادسة الفقرة ثانياً على أن «لا يجوز منح الجنسية العراقية للفلسطينيين ضماناً لحق عودتهم لوطنهم»، أي إن موضوع منح الجنسية مرهون بإلغاء أو تعطيل هذا الاستثناء فهل سيتم هذا فعلاً؟ سؤال تجيب عنه الأحداث التي مرّ بها فلسطينيو العراق ونَقْص عددهم الذ وصل إلى 13 ألف نسمة فقط.

في ظل هذه الأجواء من القلق وعدم وضوح الرؤية تجاه ما ستطبقه الحكومة العراقية على اللاجئين الفلسطينيين من قوانين قد تنفعهم في العراق وتلغي حقوقهم السياسية في وطنهم فلسطين، أو قد لا تنفعهم وتلغي حقوقهم، أو قد تنفعهم ولا تلغي حقوقهم في وطنهم، ليس أمام فلسطينيي العراق سوى أن يسجلوا في سجلات الأونروا، لا لشمولهم ضمن مناطق عمل الأونروا، بل لكون الأمر متعلقاً بتثبيت الحقوق، وهذا هو المخرج الوحيد للوقوف بوجه أي مشروع يتجاوز حقوق شعبنا، وفي الوقت نفسه لا يكون شعاراً لاضطهاد هذا الشعب، كما أن هذا الأمر يدق ناقوس الخطر لإبدال الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، لا لإنهاء المعاناة الإنسانية للاجئين بقدر ما هو مشروع يلغي حقوق الشعب الفلسطيني.

مجلة العودة

مجلة فلسطينية شهرية - العدد الحادي والعشرون - السنة الثانية - حزيران (يونيو) 2009م - جمادي الآخرة 1430 هـ

محمد المحمدي/ بغداد

 

جديد العودة

فيديو العودة