حنان.. نور.. شيماء.. حسن.. فراس.. خليل..
كوكبة من أقمار فلسطين وزهراتها في العراق الذين أطفأ نورهم ظلام مأساتهم وذابوا من ذاكرة هذا العالم المتوحش.. أطفال في عمر الزهور. وصلتني منهم رسالة يتحدثون فيها عن أحوالهم وأحلامهم.. أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة.. كتبوا أصدق الكلمات بأبسط العبارات.. حيث وصلت الفكرة وها أنا أنقلها لكم.. فهل أنتم قارئون لما أخطّ هنا من كلامهم؟!
إنهم أطفال فلسطين في العراق، وتحديداً في مجمع البلديات وسط بغداد.. يحبون الرسم والتلوين ومشاهدة برامج الكرتون واللعب متى يريدون.يحبون الذهاب إلى مدينة الألعاب لكنهم لا يستطيعون.. وكيف يذهبون فالأب يصعب عليه تأمين لقمة العيش لعائلته، ولا أن يحميهم من الوضع الأمني المتدهور في العراق، فالمليشيات تتربص بالفلسطينيين كما العراقيين، والكثير من الأطفال الفلسطينيين تعرضوا للخطف وخصوصاً خلال الذهاب إلى المدارس والكثير منهم تركوا الدراسة لهذا السبب.
اليوم معظم أطفالنا في العراق يرغبون بالعودة إلى مدارسهم وإتمام تعليمهم لتحقيق أمنياتهم التي سحقتها دبابات الاحتلال الأمريكي وأعوانه.
يُتّم الكثير من الأطفال الفلسطينيين في العراق.. أباؤهم اختطفوا أمام أعينهم ومن بين أحضانهم ليُذبحوا ويُمثل بجثثهم.. فأصبحت الأم هي المُعيل وتعتاش مع أطفالها على مساعدات من هنا وهناك.
* * *
غيداء ذات الخمس سنوات طفلة في مجمع البلديات تعشق الرسم والتلوين ومشاهدة الكارتون واللعب مع صديقاتها والذهاب إلى مدينة الألعاب وفي أكثر الأحيان تلوم والدها لأنه لا يصطحبها إليها، والوالد بالكاد يؤمّن لقمة العيش وكسرة الخبز، والوضع الأمني المتدهور في العراق لا يمكّنهم من الذهاب فهم فلسطينيون في شريعة الغاب للمليشيات الشعبوية.
غيداء هذه ترفض الذهاب إلى مدرستها على الرغم من حبها لها، ووالدتها تغريها بالملابس الجديدة مقابل التحاقها بالمدرسة..
غيداء ترفض ذلك وتقول إن الأمريكان هناك، وهي تخافهم لأنها قد شاهدتهم في إحدى المرات أمام مدرستها مدججين بالسلاح، ما أثار خوفها وفزعها في كل مرة تطلب منها والدتها الذهاب إلى المدرسة.
تسأل غيداء بماذا نختلف عن باقي أطفال العالم.. لماذا علينا نحن الأطفال الفلسطينيين أن نعيش في النقصان أو الحرمان.. نقصان في جميع حقوق الطفل..لا يحقّ لنا اللعب ولا الدراسة ولا حتى أن نفكر في مستقبلنا..
كلما أشاهد برامج الأطفال والمسابقات وتوزيع الهدايا عليهم أسأل أبي: لماذا نحن لا..؟
الأطفال يذهبون إلى مدينة الألعاب.. لماذا نحن لا..؟
الوالد الذي يقف عاجزاً أمام رغبات ابنته يجيبها: يا ابنتي نحن فلسطينيون وربما أية نقطة تفتيش في طريقنا ستسألنا عن هوياتنا الشخصية وربما سيعتقلوننا وهذا ما حدث للكثير من الفلسطينيين يا ابنتي.. سامحيني!
تردّ غيداء: أنا أبكي يا أبي عندما أرى الأطفال على شاشة التلفزيون يفرحون ويمرحون ويضحكون، بماذا نختلف عنهم نحن أطفال البلديات؟ نحن لا نستطيع أن نلعب أمام باب منزلنا خشية من قذيفة غادرة تسرق أرواحنا.. كلما أردت شراء لعبة جديدة تقول أمي ومن أين يأتي لك والدك بثمنها ألا يكفينا ما نحن فيه من بؤس وشقاء..
غيداء تسأل عن أبناء عمها الذين فارقوها وهاجروا قسراً مع أسرهم إلى مخيم التنف والوليد حيث الصحراء التي تسرق المستقبل والحاضر والماضي، إلا أن ذكرياتهم في البلديات لا يمكن أن تُمحى فإنها ذكريات الطفولة الصادقة والمتوهجة على الدوام، تُعبّر عنها غيداء بالدموع كلما استذكرت أبناء عمومتها وكيف كانوا يلعبون الحجلة والطميمة في أزقة البلديات.
* * *
نادر طفلٌ آخر من البلديات كان يعاني من مرض عضال.. طرقت والدته لإنقاذه أبواب المنظمات الإنسانية في العراق وخارجه، لكن لم يسعف أحدٌ لهفة الأم على ابنها المريض، فتفاقمت حالته الصحية وأدت إلى وفاته..
وحين جاءها الفرج من إحدى المنظمات الإنسانية التي اتصلت بالأم لتخبرها بأن أوراق ابنها أصبحت جاهزة لنقله للعلاج في خارج العراق أخبرتهم الأم أن ابنها أصبح عند مليك مقتدر.
* * *
ولنبتعد قليلاً عن البلديات إلى مخيم التنف..
محمد ذو السبع سنوات دهسته عربة نقل على الطريق الدولية بين بغداد ودمشق في شهر رمضان الفائت.. سحقت عجلات العربة قدميه في الأرض.. الأب المصدوم يمسك بولده وهو ينظر إليه نظرة العاجز لا يستطيع أن يقدم لابنه شيئاً سوى الصراخ على من ينقذه..
بعد ساعة من الحادثة ودون أن يلبي صرخات أبيه أحد، توفي محمد. لقد كان مبتسماً كمن يفوز بالآخرة فهو طير من طيور الجنة آثر الآخرة على السويد التي قبلت استقباله وعائلته، ففارق الحياة قبل أن يفارق المخيم.
ليس محمد الوحيد الذي دهسته سيارات الطريق السريع، هناك طفلان آخران في مخيم التنف والوليد أيضاً دُهسا وفارقا الحياة على الفور، ليكونا نكبة جديدة تضاف إلى نكبات الفلسطينيين في هذه المخيمات الصحراوية.
* * *
طفلة في مخيم التنف ثلاث سنوات مصابة بشلل الأطفال تستخدم كرسياً متحركاً للتنقل وافقت إحدى الدول الأوروبية على استضافتها في حين عز ذلك على العرب.. يمكن نسينا في يوم أنه العرب إخوان..!
إنها سجا، طفلة من مخيم الهول في مدينة الحسكة السورية، ولدت وهي مصابة بالسحايا عانى والدها الأمرّين لعلاجها وقاسى إهمال الأطباء وضعف الإمكانيات الصحية والمادية والحجج الواهية والاستهتار بمرض ابنته، سجا اليوم غادرت مخيم الهول إلى الدنمارك عساها تجد ما أضاعته في صحراء مخيم الهول!
طفلة أخرى عمرها أيام توفيت في مخيم الهول، أيضاً الإهمال الطبي وقلة الكفاءة ساهما في تدهور وضعها الصحي حيث توفيت خلال أيام عيد الأضحى الماضي.
* * *
الطفل محمد الذي تحدثنا عنه في الحلقة السابقة، هو الطفل الوحيد لأبيه وجدته في مخيم التنف بعد أن فقد والدته في حريق خيمتهم.
حريق واحد لا يكفي لتكتمل المأساة، فخيمتهم التي أعادوا نصبها قد احترقت مجدداً يوم 7/5 وقد حاولت الاطمئنان عليهم لكن لم أتمكن من ذلك، حتماً سأطمئنكم عنه في الحلقة القادمة..
* * *
كم من الأجنّة توفيت في أرحام أمهاتها، فالبيئة المقفرة التي يعيش بها اللاجئون في المخيمات الصحراوية لا تساعد على الإنجاب، والضعف في الجانب الصحي أيضاً يساهم في ذلك.
كم من الأطفال الأيتام يعيشون مع أمهاتهم في الخيام..لا أب لهم ولا معيل.. ما ذنبهم الذي اقترفوه لكي لا يعيشوا بين الجدران؟!
كم من الأطفال في هذه المخيمات يحتاجون إلى العلاج في المشافي؟ لماذا يحرمون من ذلك؟ هل حُكم عليهم بالموت البطيء؟
كم من الأطفال لا يعرفون إلا الخيمة والحصى ومصادقة الثعابين والعقارب؟ وكم منهم يجهل البيوت والجدران والأسقف؟
كم من الأطفال ولدتهم أمهاتهم في هذه الصحراء كتحدٍ واضح لقرار تصفية الإنسان الفلسطيني وإذابته في الصحراء..
كم من الأطفال جازفت عائلاتهم بهم لتهريبهم من تركيا إلى قبرص وغيرها براً وبحراً بحثاً عن المستقبل المفقود؟
كم وكم...
لكن السؤال يبقى ما ذنبهم أن يكونوا أطفالاً في الزمان والمكان الخاطئين.. هم فعلاً أطفال تحت خط الاستواء..!
مجلة العودة
مجلة فلسطينية شهرية - العدد الحادي والعشرون - السنة الثانية - حزيران (يونيو) 2009م - جمادي الآخرة 1430 هـ


