
محمد المحمدي/ بغداد - ما دون الإنسانية هو أن تعتبر معيشتك كلاجئ في هذه الحياة أن تحصل على ما يحصل عليه أبسط إنسان يعيش في وطنه، وهذا حال اللاجئين الفلسطينيين مع تنوع البيئات التي يعيشون فيها؛ فمع أي تغيير سياسي في أي دولة من الدول التي يعيش فيها اللاجئون سيكونون أول المتأثرين مع انعكاس ذلك على أوضاعهم المعيشية.
فما حصل في العراق خير دليل على حصول حالة ما دون الإنسانية؛ فمع دخول الاحتلال كانت هناك المطاردة والقتل والاعتقال والاتهام للفلسطيني وما تبع ذلك من موجة العنف الطائفي وإقحام للفلسطينيين في هذه الدوامة وهروب ثلثي اللاجئين الفلسطينيين من العراق وتشتيتهم إلى ما يقرب من أربعين دولة. ثم تلى ذلك مرحلة ترتيب الأوراق لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في العراق مع ما يحصل من هدوء نسبي في الشارع العراقي والميل نحو تطبيق القوانين لأجل بناء دولة القانون. كما يرفع أكبر الكتل النيابية في العراق هذا الشعار، ولا يعنينا إن كان هذا الأمر سيطبق أو لا بقدر ما يعنينا أن نحصل على حالة ما دون الإنسانية في العراق للاجئين الفلسطينيين فهذا أصبح مطلب للاجئين في العراق بعد حقبة انعدام الإنسانية.
في العراق وفي مرحلة ما بعد الاحتلال، حياة اللاجئين الفلسطينيين قادها أناس خارج البعد الرسمي الفلسطيني ممن كانوا يعتمدون على رصيدهم الإيماني وسلوكهم المتزن وفكرهم النير لأجل عبور عاصفة خربت وجرفت، ولكنها لم تستطع أن تقتلع وبقي ما استطاعت هذه المجموعة المباركة أن تحافظ عليه وأن تبقيه سنداً للاجئين الفلسطينيين في العراق ممن بقوا أو ممن سيعودون نتيجة لأوضاعهم المزرية في الدول التي لجأوا إليها.
أما في المرحلة التالية، وهي مرحلة ترتيب الأوراق، وهي محور الكلام، ومع غياب الدور المفترض للبعد الرسمي الفلسطيني في العراق، كان لابد أن يملأ هذا الفراغ وأن يسعى طرف إلى تحسين وضع اللاجئ الفلسطيني في العراق، فكانت اللجنة الشعبية الفلسطينية في العراق، التي لا نريد أن نعرض الظروف التي رافقت تشكيلها وما حصل بعد تشكيلها من وضع العصي في الدواليب من قبل أناس لطالما تزعموا الحالة الفلسطينية وقادوها إلى المجهول، وما أوسلو إلا إحدى ثمارهم، بقدر ما يعنينا ما بذلته من جهد وما حققته من نتائج لا يملك أحد إلا أن يثني على هذا الفعل، والقصد في الثناء هو الانتقال من حالة انعدام الإنسانية إلى ما دون الإنسانية.
الشعارات تملأ كياننا الإنساني لأننا تربينا على (بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان) والقومية العربية والاستحقاق العربي رافقا حياتنا والحؤول دون العيش الكريم، والبقاء في البراكسات وبيوت الصفيح أريد له أن يكون عامل صمود وإذكاء لحق طبيعي لشعب اقتلع من أرضه، متجاوزين أن ديننا وعقيدتنا يحثانا على المحافظة على حق العودة لمقدساتنا ووطننا، ولكن لأن القضية انحرفت عن مسارها الطبيعي وجردت من محتواها الإسلامي ثم من عمقها العربي ثم الوطني، منتهين إلى ممثل شرعي ووحيد فرض علينا ثقافة تعتبر أن اللاجئ يجب أن يعيش في حالة انعدام الإنسانية حتى لا ينسى وطنه.
ربما لم يكن شعورنا كلاجئين فلسطينيين كشعور من له وطن يعيش فيه، فالشعب الفلسطيني في العراق، ومنه من يكتب هذه السطور، اعتبر أن ما حققته اللجنة الشعبية من إنجازات له أثره على الممارسة اليومية للاجئ في العراق ونقله نقلة جيدة ضمن منظورنا كلاجئين في دولة عربية من دول الملجأ الأول.
فمساواة الفلسطيني بالعراقي في العلاج رسمت البهجة على وجوه من كان يعاني المرض وأرهقته الفاقة وحال دون علاجه خارج العراق، عقبة أزيحت لتبقى أمامها عقبة أخرى هي وثيقة السفر التي لا تستقبلها الدول العربية، فضلاً عن الدول الأجنبية، إلا بموافقات الجهات الأمنية على اعتبار أن الفلسطيني بالفطرة هو تهديد للأمن القومي لأي دولة يزورها أو يدخلها، حتى لو كان للعلاج. ولكن المهم في الأمر أن هناك اقتناعاً بأن اللاجئ الفلسطيني يمكن أن يتعرض لمرض عضال لا يمكن علاجه في الدولة التي يعيش فيها وبالإمكان أن يعامل ضمن الحالة الإنسانية.
أما موضوع السماح للفلسطيني بشراء سيارة وتسجيلها باسمه، فهذا كان بمثابة النصر المؤزر على خصم طال عناده ومقارعته. انجازات افرحت اللاجئين الفلسطينيين في العراق (وخصوصاً سواق التكسي، المهنة الأكثر شيوعاً) لأنها نقلتهم إلى حالة ما دون الإنسانية كحالة متقدمة على حالة انعدام الإنسانية التي اكدها رئيس وزراء العراق بتوجيهاته إلى ديوان رئاسة الوزراء في الكتاب المرقم بتاريخ 31/1/2011 بإصدار وثائق سفر للفلسطينيين في العراق وكما كان معمولاً به سابقاً وكأنه لا يعلم أن الوثيقة تصدر للفلسطيني منذ خمسة أعوام سابقة لتوجيهه. أما الإنجاز الآخر فهو إعادة تعميم قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 202 لعام 2001 الذي يساوي فيه الفلسطيني بالعراقي في الحقوق والواجبات في ما دون حق المواطنة والحصول على الجنسية. أي أن أصبح بامكان الفلسطيني أن يشتري بيتاً يعيش فيه، أو أن يفتح له محلاً باسمه. وهذا أيضاً اعتراف واضح وصريح بأن اللاجئ الفلسطيني له متطلبات إنسانية طبيعية مثله مثل المواطن، وهذا ايضاً نقلة مهمة في حياة اللاجئين الفلسطينيين.
قد يقول قائل ان وضع اللاجئين في العراق لا يختلف عن حالهم في الدول الأخرى كمعاناة في الوضع القانوني أو في الوضع المعيشي أو حتى على مستوى الإنسانية.
المشكلة تبدأ منا نحن الفلسطينيين فأي انفراج لوضع اللاجئين الفلسطينيين معيشياً أو قانونياً يعني التخلي عن القضية الفلسطينية، هكذا اريد لنا ان نفهم طوال هذه السنين، واذا بنا أمام اختبار حقيقي في ما جرى في العراق للاجئين الفلسطينيين، فلم تتدخل المنظومة العربية ولا حتى المنظومة الفلسطينية الرسمية، مشيرة إلى أن ما يجري حالة خاصة تتجاوز امكانياتها، والأدهى والأمر أنها ألغت ما وضعته من محددات تحافظ على حق العودة، لتبرير عجزها أمام هذا التحدي ولتثبت فشل الثقافة التي كرستها هذه المنظومة طوال هذه السنين. حالة يراد للاجئ الفلسطيني أن يعيشها هي حالة انعدام الإنسانية. وترك اللاجئين الفلسطينيين في العراق يتشتتون في الدول ويهاجرون ويقيمون في الخيام لسنوات وتتدخل فيهم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين لايجاد موطن لهم غير فلسطين بعد أن عاملتهم الأونروا كحالة خاصة.
الاغرب من ذلك ان زعامات هذه الثقافة وعموماً يحملون جنسيات وجوازات سفر تمكنهم من التحرك والتنقل وتلغي عندهم شعور اللاجئ الذي أشد ما يشعر به عندما يراجع دائرة حكومية في بلد الملجأ أو عندما يسافر إلى احد البلدان العربية بعد أن سمحت له بموافقة أمنية أن يدخل أراضيها.
كان لي دعوة سابقة لكل المهتمين بالشأن الفلسطيني أن يصوغوا قانوناً واضح المعالم يتناسب مع كل دولة من دول اللجوء لينقل اللاجئ إلى الحالة الإنسانية ويمكّنه من العيش الكريم ويلغي ثقافة «عانِ فأنت لاجئ، عانِ حتى لا تنسى وطنك، واتركنا نحن القيادات لنحصل على الجنسيات المختلفة فنحن قيادات ليس علينا خوف من الذوبان»، دعوة أجزم بأن الوقت ملائم جداً لها لا بل إن وقتها حان الآن.


