PRC

Thursday
May 17th

«قانون النكبة»... تجريم ذاكرة الآلام الفلسطينية

Boy_sister_school_nakba
هشام منوّر/ دمشق - كعادة أي مجرم أو معتدٍ، يلجأ الكيان الصهيوني على الدوام إلى محاولة الحوم حول مسرح جريمته، وطمس ملامحها، وإزالة الآثار والأدلة التي تفضح جريمته وتدينه أمام العدالة والرأي العام.
إقرار ما يسمى البرلمان الإسرائيلي «الكنيست»، في الثاني والعشرين من شهر آذار الماضي ما يدعى «قانون النكبة» خطوة جديدة في نهج العنصرية تجاه الفلسطينيين في الداخل المحتل، والذي لم يكن الأول، ولن يكون الأخير بطبيعة الحال.

القانون الجديد قدمه عضو الكنيست «أليكس ميلر» عن حزب «إسرائيل بيتنا»، ويخوّل هذا القانون العنصري وزير المال الإسرائيلي صلاحية فرض عقوبات مالية على هيئات تمولها الحكومة مثل: جمعيات أو منظمات أو سلطات محلية في حال قيامها بإحياء ذكرى «النكبة الفلسطينية»، وعلى كل من ينفي وجود «إسرائيل» دولةٌ يهودية وديموقراطية.

وينص القانون على فرض عقوبات مالية واتخاذ إجراءات قضائية ضد كل من يصدر بياناً يحرض على العنصرية والعنف و«الإرهاب»، أو كل من يدعم الكفاح المسلح أو أي عمل «إرهابي» ضد «إسرائيل».

المعهد الإسرائيلي للديموقراطية، وجمعية حقوق المواطن كانا قد قدما ورقة احتجاج على هذا القانون، قبل إقراره، حيث أعربا فيها عن معارضتهما لمشروع القانون الذي سيلحق أضراراً كبيرة بحرية التعبير عن الرأي في «إسرائيل»، وأكدا فيها أنه يهدف إلى نزع الشرعية عن الجمهور العربي، وأكد «دوف حنين» عضو الكنيست، أن هذا القانون خطير للغاية؛ لأنه يتدخل في مشاعر الناس وأحزانهم، مشدداً على أن مثل هذا التدخل لا يليق بدولة ديموقراطية.

وفي السياق نفسه، وقّع العشرات من رجال الفكر والمبدعين، من بينهم (20) شخصية حازت «جائزة إسرائيل»، على عريضة أعربوا فيها عن معارضتهم لمشروع هذا القانون، محذرين من أنه «سيشكل خطوة جديدة في الموجة العنصرية واللاديموقراطية التي تهدد بالسيطرة على الكنيست، من خلال منح السياسيين الحق في معاقبة كل من لا يستسيغون رأيه». ودعوا «رؤوبين ريبلين»، رئيس الكنيست، إلى التدخل «لمنع الكنيست والحكومة، الأكثر تطرفاً في تاريخ «إسرائيل»، من أن يسجل عليهم التاريخ أنهم امتهنوا كل القيم الديموقراطية».

لم يكتف الكنيست حينها بتجريم الأحزان والذاكرة الفلسطينية، بل صدّق أيضاً على مشروع قانون «لجان القبول» الذي قدمه نائبان من حزب «كاديما» المعارض، وآخر من «إسرائيل بيتنا»، و«يقضي لبلدات يهودية صغيرة برفض سكنى العرب في تخومها، بداعي أن نسيجها الاجتماعي لا يسمح بذلك»، حيث إن لجان القبول هي عبارة عن جهات تختار المرشحين للسكن في وحدات سكنية أو شراء قطع أراضٍ ضمن «البلدات التعاونية»، وبأحياء أهلية في بلدات زراعية «الكيبوتس» في «إسرائيل»، المقامة على «أراضي دولة».

وتشمل اللجان «ممثلاً عن الوكالة اليهودية والكونغرس الصهيوني العالمي»، وهي أجسام شبه حكومية، من أهدافها حرمان المتقدمين الفلسطينيين، وكذلك مجموعات أخرى مهمشة داخل «إسرائيل» من تملك مسكن أو شراء قطعة أرض.

واستمراراً لنهج القوانين العنصرية، من المتوقع أن تصدّق اللجنة الوزارية لشؤون التشريع, على القانون الجديد والموسع لـ«مكافحة الإرهاب»، الذي سيتضمن نحو ألف مادة، وهو شبيه بـ«قانون الإرهاب» التي سنته الولايات المتحدة الأمريكية عقب عمليات «11 سبتمبر»، وسيحل مشروع هذا القانون بدلاً من مئات القوانين القديمة, ويقضي بالتشدد مع منفذي العمليات على «إسرائيل», والتسهيل على سلطات الأمن في تصديها للمنظمات الفلسطينية, وسيطبق على المقاومين الفلسطينيين وفلسطينيي 48.

ومن النقاط التي يتضمنها القانون الجديد: زيادة المؤبد إلى 40 عاماً، وأن تحديد العقاب لا يمكن أن يتخذ إلا بعد 15عام سجن لا بعد سبعة أعوام، والاعتقال حتى 30 يوماً على نحو متواصل، والإحضار للمثول أمام قاض يمكن التأخر حتى 96 ساعة، وتحديد جرائم تتعلق بإدارة منظمة إرهابية والعضوية فيها، وتقديم خدمة لمنظمة إرهابية والتحريض، وترتيب صلاحيات محافل الأمن في ما يتعلق بالتسلل إلى الحواسيب من بعيد.

قانون النكبة الذي أقره الكنيست الإسرائيلي هو قانون عنصري ظالم وجائر، وهو حلقة أخرى وجديدة في سلسلة المشاريع الترانسفيرية والقوانين العنصرية الموجهة إلى الشعب الفلسطيني، وهو يعكس بجلاء ووضوح مدى الدرك الفاشي الذي انحدر إليه المجتمع الإسرائيلي، ومؤشر حقيقي على الأزمة السياسية والاجتماعية والأخلاقية القيمية التي تجتاح هذا المجتمع، المشبع بالتحريض والكراهية والتطرف والعداء لكل ما هو عربي وفلسطيني.

القانون يمس على نحو خاص المؤسسات الثقافية والتربوية والتعليمية في الداخل الفلسطيني، إذ إنه يسمح بحرمان كل مؤسسة تنكر الطابع اليهودي لدولة «إسرائيل» أو تشكك في هويتها وتقوم بنشاطات تنكر وجودها، من أي تمويل حكومي.

قانون النكبة هذا يفضح ويكشف زيف الديموقراطية الإسرائيلية، ويرمي بالأساس إلى تضييق الخناق على الجماهير والقوى الوطنية والسياسية والمؤسسات المدنية والجمعيات الأهلية الفلسطينية، وترهيب هذه الجماهير وثنيها عن إحياء ذكرى نكبتها الكبرى عام 1948، فضلاً عن تزييف الوعي الجمعي الفلسطيني وتشويه التاريخ الفلسطيني، وتفريغ الذاكرة الفلسطينية الحية وطمس الهوية الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن كمّ الأفواه واغتيال الصوت الفلسطيني الوطني والديمقراطي وحرية الرأي والتعبير، التي تُعَدّ من أهم الحقوق الإنسانية الأساسية والدستورية.

والحال أن يوم النكبة سيظل عصياً على النسيان، فهو محفور في عقل كل فلسطيني ووجدانه ونبضه، ولن تزيد القوانين الإسرائيلية العنصرية الشعب الفلسطيني إلا إصراراً وتشبثاً بحقه في أرضه وتاريخه وذاكرة آلامه الجمعية، وهو ما يحتم على جميع أطياف الشعب الفلسطيني وفصائله وتياراته أن تسعى إلى تكريسه والحفاظ عليه.
 

جديد العودة

فيديو العودة


SimplePayPal

Donate to Keep Refugee Issue alive

Amount: