يمثل الأمن القومي في مفهومه المعاصر جملة السياسات والإجراءات التي تتخذها دولة لحماية مصالحها البنيوية التي يهدد النيل منها وجود هذه الدولة سواء كانت هذه المصالح عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية.
وبالنظر إلي الموضوع السوري نجد أن سوريا واقعة في حالة حرب مع (إسرائيل) منذ قيام الثانية باقتلاع الشعب الفلسطيني من دياره عام 1948 وقد بقيت (إسرائيل) تشكل تهديدا دائما لسوريا حيث وقع جزء كبير من الأراضي السورية تحت الاحتلال الصهيوني، فوقوع هضبة الجولان التي تمتاز بموقعها الاستراتيجي العسكري أبقى سوريا مدة أكثر من أربعين عاما تحت التهديد العسكري المباشر من طرف القوات الصهيونية.
في هذه الأيام تخرج تصريحات باقتراب انطلاق المفاوضات السورية الصهيونية المباشرة والتي تهدف سوريا من خلالها إلي الحصول على الجولان بينما تهدف (إسرائيل) إلى الحصول على الأمن وعلى فصل سوريا عن مربع العداء (لإسرائيل) والى أن يصل الطرفان إلي ذلك فإنهما بحاجة إلى توقيع اتفاقية سلام تنهي هذه الحقبة الطويلة من الحروب.
هل فعلا سيشكل استرداد الجولان قمة الطموح السوري وهل هذا هو الهدف السامي للموقف السوري الناضج والمتميز والداعم للقضية العربية الفلسطينية، فان الدلائل تشير إلي أن الأمن القومي السوري سيبقى مهددا من (إسرائيل) حتى بعد عودة الجولان، وهل ستتخلى سوريا عن مسؤولياتها القومية وخصوصا قضية اللاجئين التي تمثل جوهر وأساس القضية الفلسطينية، صحيح أن اتفاقية كامب ديفد الصهيونية المصرية واتفاقية وادي عربه الأردنية الصهيونية لما تشيرا إلي حلول تتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، فلماذا نطالب سوريا بالحديث عن قضية اللاجئين في مفاوضاتها مع إسرائيل، وذلك لسبب بسيط وهو أن سوريا بموقفها المتقدم والمسئول والأكثر نضجا، يطلب منها ما لا يطلب من غيرها، إضافة لان ظروف اليوم غير ظروف الأمس، حيث أن إسرائيل أصبحت أكثر قربا إلي اتخاذ قرارات مؤلمة كما يسمونها فقد أصبح اليوم الذي تتخذ فيه إسرائيل قرارات مؤلمة أكثر قربا لأساب كثيرة ولعل احد يسأل: أليست قضية اللاجئين قضية فلسطينية؟ فنقول نعم هي قضية فلسطينية ولكن من قال إن فلسطينيتها تمحو عروبتها وتلغي الدور العربي من العمل فيها.
ولكن ما هي مسوغات طرح قضية اللاجئين في المفاوضات السورية الصهيونية:
أولاً: إن اللاجئين الفلسطينيين يمثلون أصل وأساس الصراع مع إسرائيل بسبب أن إسرائيل أخرجتهم من ديارهم ومنعت عودتهم وتجاهلت تطبيق القرارات الأممية وخاصة 194، وأنشأت مكانهم كيانا مسخا تسعى لانتزاع شرعية قانونية له.
ثانياً: إن حوالي نصف مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في سوريا وان القانون الدولي لا يقبل من إسرائيل أن تمنع عودة رعاياها لأنها أصبحت صاحبة الولاية السياسية على أماكن سكنهم الأصلية ولذلك هي ملزمة من ناحية القانون الدولي الإنساني ومن ناحية قرارات الأمم المتحدة بقول عودتهم إلي ديارهم.
ثالثاً: أن القانون الدولي لا يقبل من إسرائيل أن ترهق جيرانها بمنع عودة رعاياها إلي حدود ولايتها السياسية.
إذن طالما بقي الأمر كذلك فلماذا تقبل سوريا توقيع اتفاقية سلام دون عودة اللاجئين وان تتحمل إسرائيل وحدها المسئولية عن طردهم ومعاناتهم.
كيف سيؤثر ذلك على قضية اللاجئين:
· إن قبول إسرائيل بالتفاوض على هذا الموضوع سيمكن دول الجوار بما فيها مصر والأردن ولبنان من طرحه في مفاوضات لاحقة اعتمادا علي الحجة القانونية التي سوغت هذا الطرح.
· سيعد هذا تقدما كبيرا في التعامل مع قضية اللاجئين وسينقلها من البعد الفلسطيني إلي البعد الفلسطيني العربي باتجاه تحميل إسرائيل المسئولية القانونية والسياسية والإنسانية وإلزامها بقبول العودة كحل وحيد لهذه القضية.
· علي مستوى القضية الفلسطينية لا أحد يرفض العودة الجزئية الغير مشروطة بإلغاء حق الباقين في العودة إلي ديارهم.
· سوف يعزز هذا نضال وصمود أهلنا في الأرض المحتلة عام 48 وسوف يقوى جبهة المواجهة لسياسة التهويد التي تمارسها إسرائيل بحق أهلنا في 48.
هل ستقبل إسرائيل بهذا الوضع:
بالتأكيد إسرائيل لن تقبل بفكرة زيادة عدد السكان العرب مقابل اليهود لان هذا بالتأكيد يهدد مستقبل الكيان ويأتي في صالح العرب ديموغرافيا.
ولكن في نفس الوقت من يستطيع أن يجزم انه في ظل التغيرات الهائلة والتحولات السريعة التي تمر علي المنطقة من تراجع قدرة الردع الصهيونية أمام المقاومة الفلسطينية واللبنانية سيجعل إسرائيل تستمر أكثر في سياسة الفصل العنصري والنقاء الديني للدولة اليهودية، فإسرائيل سوف تقدم في لحظة ما ولن تكون بعيده على اتخاذ قرارات مؤلمة في هذه القضية ولن يشكل حينها الرأي العام الصهيوني مشكلة فسوف يجدون المسوغات الكثيرة للرأي العام حتى يقبل بذلك، فالعلاقة بين الصهاينة المقيمين في فلسطين وحكومتهم لا تزيد علي كونها علاقة بين مجموعة من المساهمين في شركة كبيره وبين إدارة الشركة التي تسعى لتحقيق أعلى درجات الربح بأقل الخسائر وقد يقبلون في إسرائيل بعودة رأس المال إذا سلمت الرؤوس
حسام رمضان أحمد


