تشتكي مخيمات اللاجئين المنتشرة في الأردن أوضاعاً اجتماعية واقتصادية لم تكن لتغيب عن الوضع الحقيقي للاجئين، فالبرد القارس سكن بيوت اللاجئين، وكان له نصيب في مساكن تشكو لسنوات الأمطار والرياح العاصفة.
مخيم غزة، أكبر المخيمات الفلسطينية في الأردن، بل وأقدمها، بقي على حاله يعاني سكانه ضعف البنية التحتية للمخيم،فضلاً عن الطرق غير المعبدة.
سقوف الزينكو التي لا تقي البيوت حرّ الصيف ولا برد الشتاء، لا تفلح في إيجاد بيئة حقيقية تساهم في التخفيف من المعاناة المتكررة للاجئين في قطاع غزة.
وهذه المجمعات التي تسمى مجازاً "بيوتاً"لا توفر الحماية الكافية، سواء من الحر في الصيف أو برد الشتاء، ما يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض التنفسية وغيرها.
ومع ارتفاع أسعار المحروقات يجد العديد من سكان مخيم غزة صعوبة في توفير ما يقيهم من برد الشتاء ويدفعهم إلى البحث عن الحطب بين الجبال المجاورة واستخدام ما يسمى "الجفت" الناتج من عصر الزيتون للتخفيف من برد الشتاء القارس، وتحديداً في الأماكن المرتفعة.
الحاجة خولة سعيد "أم محمد" من سكان مخيم غزة منذ أكثر من 35 عاماً، تشكو ارتفاع أسعار الوقود مع موجة البردالقارسة خلال موسم الشتاء.
تقول خولة إن أوضاعها لا تختلف عن الكثير من سكان مخيم غزة؛ فارتفاع أسعار المحروقات وضيق ذات اليد في توفير الاحتياجات الأساسية هي أغلب حاجات سكان المخيم غزة؛ فالسكان يبحثون عن الأخشاب والمواد البلاستيكية لمنح الدفء الذي غاب عن بيوت الفقراء في المخيم.
ومع ارتفاع معاناة سكان المخيم،تعاني معظم الأسر عدم ربط المسكن مع شبكة الصرف الصحي،ويعاني 64 في المئة من الأسر نقص التدفئة الكافية في الشتاء على سبيل المثال. بالإضافة إلى هذا، هناك حاجة إلى تحسين خدمات المياه والتخلص من النفايات الصلبة في المخيم وتعبيد الطرق وغيرها من خدمات البنية التحتية الأساسية.
وتدفع الأوضاع المعيشية التي يمر بها سكان مخيم غزة إلى الحديث عن مخيم جرش الذي أنشئ كمخيم للطوارئ في عام 1968 لإيواء 11500 لاجئ فلسطيني ونازح غادروا قطاع غزة في عام 1967، وهو يعرف محلياً باسم مخيم غزة.
ويغطي المخيم مساحة من الأرض تبلغ 0.75 كيلومتر مربع، وهو يقع على بعد خمسة كيلومترات من الآثار الرومانية الشهيرة في مدينة جرش. وبعد عام 1967،أسست الأونروا بسرعة منشآت من أجل المعونة الغذائية والخدمات الصحية والتعليم.
وبهدف مقاومة الشتاء القارس، استُبدلت الخيام الأصلية التي كان يبلغ عددها 1500 خيمة بمساكن جاهزة.
وبين عامي 1968-1971، بُني 2000 مسكن بدعم من تبرعات الطوارئ. وعلى مر السنين، استبدل العديد من سكان المخيم بالمساكن الجاهزة، مساكن إسمنتية أكثر متانة. ولا تزال العديد من الأسقف مبنية من ألواح الزنك والاسبست، التي يمكن أن تسبب بعض الأمراض كالسرطان.
وبينما يحظى غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن بحقوق مواطنة كاملة، يبقى الذين هجّروا إلى غزة في عام 1948 ومن ثم إلى الأردن عام 1967 غيرمتمتعين بكامل الحقوق الاجتماعية والمدنية.
وفي مخيم غزة بوجه خاص، المعروف أيضاً بمخيم جرش، يبلغ عدد السكان نحو 20 ألف نسمة تعيش على مساحة 750 ألف متر مربع. وتعيش النسبة العظمى من السكان 97.19 في المئة من دون التمتع بالمواطنة، حيث يمتلك جواز سفر سنتين 95.8 في المئة أو وثيقة مصرية 1.02 في المئة أو بلا أي وثائق 0.37 في المئة.
وتمثّل نسبة اللاجئين المسجلين مع وكالة الغوث ما نسبته 93 في المئة من السكان، بينما تصنف ما نسبته 7 في المئة من السكان "نازحين"، ولا تُعَدّ هذه المجموعة مستحقة للتمتع بخدمات وكالة الغوث، وهي لا تتلقى خدمات من منظمات دولية أخرى.
وقد كان لهذا الوضع القانوني والسياسي الخاص تأثير على الوضع الاقتصادي والاجتماعي لأبناء المخيم؛ فمثلاً، لا يمكن النسبة العظمى من سكان المخيم الانتخاب أو الحصول على فرص عمل لدى القطاع العام أو تلقي كامل الخدمات التي تقدمها الحكومة الأردنية أو العمل في جميع وظائف القطاع الخاص.
القيود القانونية
لا تسهل بعض القوانين والتشريعات المحلية الحياة اليومية بالنسبة إلىأبناء مخيم غزة أو أمثالهم من المهجرين الفلسطينيين الذين لا يتمتعون بكامل الحقوق المدنية نتيجة لوضع المواطنة الخاص بهم، ونتيجة لعدم تطبيق بعض الاستثناءات في ما يتعلق بهذه القوانين والتشريعات؛لكونهم لاجئين لا يتمتعون بأية جنسية ويقيمون في الأردن لأكثر من أربعين عاماً حتى الآن. وتتضمن بعض القيود القانونية الآتي:
1. لا يتلقون معونات من وزارة التنمية الاجتماعية أو صندوق المعونة الوطني (بعكس غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين الذين يستفيدون من خدمات وكالة الغوث والمعونات الحكومية).
2. عدم الاستفادة من المكرمة الملكية للفقراء.
3. هناك مشروع قرار قد يحرم أبناء قطاع غزة في الأردن الاستفادة من تقاعد أو اعتلال من الضمان الاجتماعي، فحسب المادة 96 من مشروع القانون الذي وضعه مجلس إدارة الضمان الاجتماعي "إن استحق أي مؤمن عليه غير أردني لراتب تقاعد أو راتب اعتلال يتم استبدال هذا الراتب بتعويض الدفعة الواحدة المنصوص عليها في المادة 68/أ من هذا القانون أو بضرب قيمة الراتب المستحق في 36 أيهما أكثر، وفي حال الوفاة يوزع المبلغ على الورثة المستحقين عنه الملحق بهذا القانون".
الدخل والوضع الاقتصادي
يبلغ متوسط دخل الأسرة الشهري 186 دولاراًمن دون المساعدات و217 دولاراً بحساب المساعدات، مقارنة بـ 311 دولاراً و360 دولاراً متوسط الدخل الشهري للاجئين الفلسطينيين في الأردن من دون مساعدات وبحساب المساعدات على التوالي. وقد بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق البالغ أقل من دولارين في اليوم للفرد المعادل 64 في المئة وخط الفقر البالغ دولاراً واحداً في اليوم للفرد المعادل 27 في المئة.
وتعود نسبة الفقر العالية هذه إلى وجود نسبة بطالة عالية جداً بالمقابل، حيث بلغت البطالة في مخيم غزة 39 في المئة (81 في المئة للنساء و25 في المئة للرجال) مقارنة بـ 14 في المئة للاجئين الفلسطينيين في الأردن وللسكان في الأردن على السواء.
وتزيد نسبة البطالة إلى 43 في المئة إذا إضيفت نسبة "المحبطين"، أي الذين لا يبحثون عن عمل. بالإضافة إلى هذا، فإن نسبة عالية من العاطلين 32 في المئة لم يعملواقط.
وتعزى نسبة البطالة العالية إلى عدة أسباب، أولها بعض القيود القانونية التي تجعل فرص العمل بالنسبة إلى أبناء مخيم غزة محدودة، فلا يسمح لهم على سبيل المثال بالعمل في القطاع العام أو مزاولة بعض المهن مثل طب الأسنان أو المحاماة أو الهندسة الزراعية أو المحاسبة القانونية أو الصيدلة أو حتى العمل في القطاع السياحي. ويزيد من نسبة البطالة أيضاً موقع مخيم غزة في منطقة زراعية بعيدة عن المراكز التجارية عموماً. بالإضافة إلى هذا، هناك صعوبة في إيجاد مشاريع تعاونية ناجحة، وذلك لأن القانون لا يسمح لغير الأردنيين بالانضمام إلى جمعيات تعاونية بشكل أساسي، ولا يسهل تسجيل أي مشروع تجاري خارج المخيم، هذا بالإضافة إلى الافتقار إلى القدرة على الحصول على تمويل كاف والافتقار إلى مهارات تخطيط وإدارة المشاريع والتعبئة والتغليف والتسويق. ويساهم أيضاً في ارتفاع نسبة البطالة الافتقار إلى المهارات نتيجة لنسبة التسرب وعدم الالتحاق بالمدرسة لفئة الأطفال بين 6-18 عاماً ومتابعة التعليم المهني والجامعي.
البيئة والبنية التحتية
25 في المئة فقط من المساكن في مخيم غزة يتكون سقفها من الأسمنت، بينما تتكون أسقف معظم المساكن (65 في المئة) من ألواح زنك وإسبيستوس و9 في المئة من ألواح زنك وأسمنت.
وأوصت جهات حقوق الإنسان وكالة الغوث بالأخذ في الاعتبار الوضع الخاص لأبناء قطاع غزة من اللاجئين الفلسطينيين وزيادة الخدمات والامتيازات المقدمة لهم مقارنة مع اللاجئين الفلسطينيين ممن يتمتعون بمواطنة كاملة (نظام كوتة على سبيل المثال في التوظيف والتعليم وغيره، وتعزيز دورهم في الضغط لتغيير بعض السياسات والقوانين والتشريعات المحلية).
وطالبت السفارة الفلسطينية بتعزيز دورها بالتنسيق مع الحكومة الأردنية لتسهيل الحصول على فرص عمل لأبناء قطاع غزة في الأردن بحيث تحفظ حقهم في العودة،وتمكنهم من العيش بكرامة (تسجيل مشاريع تجارية وامتلاك ولو مساحة محددة من الأرض للسكن والزراعة والعمل في وظائف أخرى).
في السياق ذاته، تتحدث المنظمات الدولية عن تقديم الدعم،وخاصة لما نسبته 7 في المئة من سكان المخيم ممن لا يحق لهم التمتع بخدمات وكالة الغوث (غير لاجئين وغير مواطنين)، وتقديم خدمات في مخيم غزة (حيث لا تكاد توجد أي من المنظمات الدولية الإنسانية والتنموية في المخيم).


