PRC

Thursday
May 17th

برهان الدين العبوشي صاحب القصيدة المقاتلة

(burhanأقامت جامعة البترا الأردنية ندوة تكريمية خاصة) في الذكرى المئوية لولادة الشاعر والمجاهد الفلسطيني الراحل برهان الدين العبوشي (1911-1995).وتضمنت فقرات الندوة التكريمية تقديم الأستاذ الدكتور رئيس جامعة البترا دروعاً تقديرية شملت كلاً من نجل المحتفى السيد سماك العبوشي ورئيسي جلستي الندوة الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد والأستاذ الدكتور محمد حـُوّر. بعد ذلك ابتدأت فاعليات طرح الأوراق البحثية المقدمة للندوة، وقد توزعت على جلستين، حيث تناولت الجلسة الأولى الحديث عن أدب السيرة في تراث الشاعر برهان الدين العبوشي، وقدمها الدكتور رجا سمرين وتناولت الحديث عن أنواع السيرة الذاتية وأشكالها، إضافة إلى أدب السيرة في تراث العبوشي الذي سمه بقوله: «من السفح إلى الوادي ألبي صوت أجدادي

وتناول سمرين في ورقته البحثية أن العبوشي كتب في مذكراته في ما لا يزيد على مئة وثمانٍ وعشرين صفحة من القطع الكبير، إذ تمكن من إلقاء أضواء كاشفة كافية على سيرته الذاتية، محدداً العديد من أبعادها الذاتية والاجتماعية والسياسية، غير أنه لم يتخذ من هذه الأبعاد عناوين لمذكراته.
ويقول سمرين إن مذكرات الشاعر برهان الدين العبوشي تناولت الحديث عن عهد الطفولة واندرج تحته عدد من العناوين الفرعية عن المرحلة الثانوية وثورة 1936 ودخول فلسطين وفي العراق ثانية.

وبيّن سمرين أن مذكرات العبوشي خلت من عامل الصدفة الذي لا يكاد يخلو منه سيرة ذاتية، بل عدّه تدبيراً إلهياً محكماً يأتي في موعده المقدر، وليست أمراً عشوائياً كما يظنه بعض الناس.
وفي ورقة بحثية قدمها الدكتور محمد صالح الشنقيطي بعنوان «مذكرات برهان الدين العبوشي (جدل الشعر والتاريخ)»، أكد فيها أن فصول المذكرات للشاعر العبوشي تعبّر عن منظومة فكرية متكاملة عبّر فيها عن وجهة نظره في كثير من القضايا المهمة في مجالات متعددة تربوية ولغوية واجتماعية وعلمية.

كذلك سلّط الشاعر الضوء على محاور محددة في تلك الحقبة التاريخية التي عاشها، واحتلت بغداد مكانة كبيرة لديه.

هذا وقُدِّمت دراستان أخريان، كانت الأولى بعنوان «بصمات عراقية في شعر برهان الدين العبوشي» أعدتها الأستاذة الدكتورة ابتسام مرهون (جامعة بغداد)، فيما كانت الدراسة الثانية بعنوان «برهان الدين العبوشي كاتبا مسرحياً» أعدتها الدكتورة أمنان الصمادي (الجامعة الأردنية)، ومن المؤمل طباعة هذه الأوراق البحثية ونشرها في كتاب بعد تحقيقها أكاديمياً لتضاف إلى المكتبة الأدبية العربية.

وفي الجلسة الثانية، قدم الدكتور فهمي مقبل ورقة بحثية بعنوان صورة برهان الدين العبوشي فارس السيف والقلم وكتابات معاصريه، قال فيها إن العبوشي خليق بلقب فارس السيف والقلم، فحسبه أنه أحد الشعراء الفرسان الذي امتشق حسامه وقلمه، وظل مؤمناً بأهمية دور الكلمة الملتزمة الثائرة، وكان لشعره الأثر الواسع في توعية الجماهير وتعبئتها وتحريضها على العدو الصهيوني المختبئ وراء المحتل البريطاني. إنه صاحب القصيدة المقاتلة بلا منازع، لقد ظل العبوشي الشاعر والمجاهد صامداً فوق جبال وطنه مع شعبه يقاتل ويكتب الشعر والمسرحيات، وكان أكثر الشعراء تحريضاً لقومه ودعوتهم إلى الثورة والموت في سبيل الوطن. وكان يملك رؤية ثاقبة وإدراك واعٍ لحجم المؤامرات المحوكة بليل ضد شعبه. من هنا توأم ما بين: «السيف والقلم.. ما بين البندقية والفكر.. ما بين العقل والعاطفة».

واختتم مقبل بقوله: «ولعل دواوينه ومسرحياته الشعرية المنشورة، وجسده المرصع بالرصاص، دليل صادق على صحة ذلك». هذا وقد أكبر العبوشي بأُمته تلاحمها في معركتها القومية ضد قوى الاستعمار والصهيونية العالمية. احتل العبوشي مكانة أدبية سامقة بين رموز الأدب من أهل زمانه الواحد، منهم على سبيل المثال لا الحصر: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، هارون هاشم رشيد، فدوى طوقان. ترك العبوشي أعمالاً أدبية إبداعية، تنحصر في أربع مسرحيات شعرية، إلى جانب أعمال نثرية من مقالات ومذكرات شخصية. هذا وقد جُمع الإنتاج الأدبي للعبوشي بين دفتي مجلد واحد تحت عنوان: الأعمال الأدبية الكاملة للشاعر المجاهد برهان الدين العبوشي.

وتناول الدكتور إبراهيم خليل في ورقة قدمها مظاهر أسلوبية في شعر برهان الدين العبوشي، حيث أكد أبراهيم خليل أن ديوان القومية العربية ومصائبها وكفاحها للشاعر العبوشي يدعونا إلى أن نقتفي هذه الكلمات المفتاحية وسيلةً لاختبار صدقها أولاً ثم لفهم جيد للنصوص، وسبر أغوار شخص الشاعر؛ فمن عرض سيرته الذاتية قبل الدخول إلى نصوص الديوان سنكشف عن شخصية موغلة في الانتماء القومي، هذا الانتماء الذي لم يفارق الشاعر منذ الطفولة إلى أن اختتمت حياتُه برحيل مشرف بعد عطاء لا يسهل وصفه بالكلمات، ويمكن أن نرصد شخصية عرفت العطاء ولم تعرف الأخذ، ولم تعرف ذاتها كذلك، بل عرفت شعوباً وهموماً وأحلاماً بالتحرير.

وقال خليل إن الأوجاع في الحقبة التي عاشها العبوشي لم تتوقف، بل لم تتناقص، إذ كانت في تزايد مستمر، وبالتالي كانت آلاماً تتعمق في نفسه، وجروحاً تزداد نزفاً، وبوحي من منابت هذه الجروح الجغرافية أطلق الشاعر تسميات مقصودة على أقسام ديوانه، فهناك: قسم للقصائد الفلسطينيات، ثم العراقيات، ثم الشاميات، ثم المصريات، ثم شعر النكاية، ثم باقي الفلسطينيات، وأخيراً متفرقات. إن تأملاً سريعاً في هذه العناوين سيكشف لنا أن الشاعر قسم نفسه بين هموم الوطن الكبير، في متتالية من جمع المؤنث السالم مع محذوف مفهوم بالضرورة وهي كلمة «القصائد» الفلسطينيات، والقصائد العراقيات إلى آخر ذلك، والبداية بالفلسطينيات مبررة لأسباب أهمها أن القضية الفلسطينية وهي نكبةٌ ما زالت حيةً للأسف، هي المأساةُ المركزية في الضمائر الحية، ثم لا ننسى أن الشاعر من أبناء جنين التي شهدت ظروفاً مأساوية. المتوالية الهندسية في تصميم الديوان وتقسيمه أيضاً تقتفي أثر المتوالية التي كانت تسير بحسبها مصائب الأمة، واضطراباتها.

وبيّن خليل أن الأستاذ سماك برهان الدين العبوشي كتب في الموقع الإلكتروني لوالده الشاعر المرحوم بإذن الله ما يأتي: «وأخيراً... وقبل وفاته بأربع سنوات جاء تكريمه بوسام القدس للثقافة والآداب والفنون عام 1990 باحتفال ببغداد حضره الرئيس الراحل (ياسر عرفات) مع جمعٍ من الأدباء العراقيين والفلسطينيين عِرفاناً بريادته وجهوده ليقول له المرحوم (ياسر عرفات) حين قلده الوسام: (أنت أستاذنا في الوطنية والجهاد... ومنك نتعلم).   

وقال خليل إن العبوشي يعمد إلى إيجاد لغة تفاعلية، هذه اللغة تعتمد على التلقي المباشر، ولا سيما إذا عرفنا أن أغلب قصائد ديوان جبل النار ألقيت في مناسبات احتفالية ومؤتمرات وندوات، تحقق له المقابلة المباشرة مع متلقيه، وتتمثل اللغة التفاعلية عند الشاعر بطرق عدة عبر تركيب خبري يتلوه مباشرة تركيب إنشائي، نجد ذلك يسم عدداً غير قليل من قصائده، يقول:
كلاهما مستبـــــــد كـــاذب أشـــــرٌ    
كلاهما ناصرَ الصهيونَ واعتمدا
فكيف أُسلمهــــــم أمري وآمنُهـــم
وكلُّهـــم لكتـــاب المسلميــن عــــدا
خيرُ المبادئ في قرآننــــا نزلــــــت   
فمـــن تــتزود من آلائــها سَعِــــدا
أنترك العزَّ يهوي عن عـواتقنـــا     
ونحمــل الذلَّ والتابوتَ والكمدا
والطريقة الثانية هي الخطاب المباشر، ووسيلتها الأساسية استعمال ضمير الخطاب، سواء للمفرد أو للجمع.
فيم افتخرت؟ أبالمهانة  والجهالة والجمود؟
ذبحوا نساك الفضليات    اليعربيات الجدود
ويقول:
قد رأيتم بعينكـــــم وسمعتــــــــــمُ    
يا بني العرب فانهضوا واستعدوا
دججوا الشيب والشباب وسيـروا
لقراع الخصـــــوم حيث استبـــدوا
أما خطاب المؤنث فقليل عند العبوشي بالقياس لخطاب المذكر المفرد، ولهذا مقابل في الشعر العربي القديم.
أما الثالثة فهي توظيف أسلوب النداء بأقسامه المعروفة في النحو، وهذا يكثر عند الشاعر بحيث لا يمكن حصره: يقول مثلاً:
يا بلادا عشقــــــت فيها المعـــــالي    
والمعالــــــي أحــــبُّ شيءٍ إلـــيّـــــــا
يا حياة النعيــــــــــــم غيبي وولي
لست أرضاك في الحوادث غيــــــا
حســــــبي الله إنّ بالله صبـــــري
وعـــزائـــــي بـــأن أمــــوت أبيّـــــــا
فســـــــلامٌ عليـــــــكِ يوم مماتـــــي    
يــــا بلادي ويــوم أبعـــث حــــيــــّا

واختتم خليل قوله بأن الوطنية، الجهاد، العروبة، القرآن، السيف، القومية، فلسطين، الشام، العراق، العزة، الذلة... كل هذه كلمات وردت حروفها ومعانيها مباشرة عند الشاعر، وليس غريباً أن تكون مثل هذه الكلمات هي مفاتيح النصوص وشخصية الشاعر بجميع أبعادها. ولا شك في أنها تعطينا صورة إجمالية عامة للوضع السياسي والاجتماعي الذي كان قائماً. ونصوص العبوشي لم تكن مرآة لواقعه فقط، بل تطمح إلى ما يجب أن يكون عليه الواقع. ولقد اتفق ذلك تماماً مع كلمات الأستاذ الدكتور محمد العمايرة الذي وصف لغة العبوشي في هذا الديوان بوصف مختصر مفيد بقوله: «من الصعوبة بمكان أن تكتب عن فارس الكلمة المقاتلة»
 

جديد العودة

فيديو العودة


SimplePayPal

Donate to Keep Refugee Issue alive

Amount: